عبد العزيز عتيق

136

علم البيان

يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً ؟ ويقولون في باب آخر : فلان يأكل الناس ، وإن لم يكن يأكل من طعامهم شيئا ، وكذلك قول دهمان النهري : سألتني عن أناس أكلوا * شرب الدهر عليهم وأكل فهذا كله مختلف ، وهو كله مجاز » « 1 » . فالأكل في قوله : « أكله الأسد » حقيقي ، أمّا في الأمثلة الأخرى فالأكل على اختلاف أنواعه مجازي كما ذكر . فمن هذه الأمثلة يتضح أنّ المجاز عند الجاحظ مقابل للحقيقة ، وأنّ الحقيقة في مفهومه تعني « استعمال اللفظ فيما وضع له أصلا » ، كما أنّ المجاز عنده هو « استعمال اللفظ في غير ما وضع له لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي » . ومن معاصري الجاحظ الذين عرضوا لذات الموضوع من زاوية خاصة أبو محمد عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة الدينوري « 276 ه » ، فقد اهتمّ ابن قتيبة فقط بالرد على من أنكروا المجاز وزعموا أنّ الكلام كله حقيقة ولا مجاز فيه . وفي ذلك يقول : « لو كان المجاز كذبا لكان أكثر كلامنا باطلا ، لأنّا نقول : نبت البقل ، وطالت الشجرة ، وأينعت الثمرة ، وأقام الجبل ورخص السعر . . . ، وتقول : كان اللّه ، وكان بمعنى حدث ، واللّه قبل كل شيء . وقال اللّه عزّ وجل : فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ ، لو قلنا لمنكر هذا كيف تقول في جدار رأيته على شفا انهيار ؟ لم يجد بدا من أن يقول : يهمّ أن ينقض ، أو يكاد أو يقارب ، فإن فعل فقد جعله فاعلا ، ولا أحسبه يصل إلى هذا المعنى في شيء من ألسنة

--> ( 1 ) كتاب الحيوان ج 5 ص 27 - 28 ، والأسود هنا : نوع خبيث من الأفاعي .